
قصة قصيرة أصلية.
حملت مريم ساعة جدتها إلى ورشة صغيرة في آخر السوق. كانت الساعة صامتة منذ سنوات، لكن الخشب ظل يحتفظ بلونه الدافئ، وبخدش رفيع يشبه طريقاً على خريطة.
وضعتها أمام صاحب الورشة وقالت: «أريدها كما كانت تماماً».
سؤال قبل العمل
رفع الرجل نظارته، وتأمل الساعة من غير أن يلمسها. سألها: «كما كانت متى؟ يوم صُنعت، أم يوم كانت في بيت جدتك؟»
لم تعرف مريم لماذا بدا السؤال صعباً. قالت إن المطلوب واضح: أن تتحرك العقارب، وأن تختفي الخدوش، وأن يلمع الخشب. كتب الرجل ملاحظاته، ثم توقف عند الخدش الطويل.
«وهذا أيضاً؟»
ابتسمت رغم ارتباكها. تذكرت أخاها وهو يحاول، صغيراً، أن يقيس طول الساعة بمسطرة معدنية. غضبت الجدة يومها، ثم قالت إن الساعة أصبحت تعرف واحداً من أحفادها.
ما لم تضعه في القائمة
عادت مريم إلى البيت من دون أن تترك الساعة. جلست مع أخيها وأرسلت صورة للخدش. جاء رده سريعاً: «لا تمحيه. ما زلت أذكر وجهها حين رأتني».
فتحت دفتراً وكتبت قائمتين. في الأولى: عقارب تعمل، قاعدة ثابتة، زجاج نظيف. وفي الثانية: الخدش، لون الخشب القديم، والورقة الصغيرة التي ألصقتها الجدة في الخلف وكتبت عليها تاريخ انتقالها إلى البيت.
للمرة الأولى، صار معنى «كما كانت» أقل غموضاً.
وعد أصغر وأكثر وضوحاً
في اليوم التالي، قرأ صاحب الورشة القائمتين. قال إنه سيفحص الآلية أولاً، ثم يخبرها بما يمكن فعله وكلفته قبل بدء الإصلاح. لم يعدها بأن تصبح الساعة جديدة، ولم تطلب هي ذلك.
انتظرت مريم أياماً. وحين اتصل بها، وصف القطعة التي تحتاج إلى استبدال، وسألها عن الاحتفاظ بالقديمة في ظرف منفصل. وافقت على العمل بعد أن فهمت التفاصيل، وطلبت منه أن يترك الخشب بعلاماته.
الصوت الذي عاد
عندما أعاد الساعة إليها، لم تلمع كما تخيلت في زيارتها الأولى. لكنها وقفت بثبات، وتحركت العقارب، وعاد صوت خفيف يملأ الصمت بين جملة وأخرى.
وضعتها مريم على الرف، وإلى جانبها صورة قديمة للجدة. حضر أخوها، ومرر إصبعه قرب الخدش من دون أن يلمسه. قال: «هكذا أعرف أنها ساعتنا».
نظرت مريم إلى القائمتين في دفترها. اكتشفت أنها لم تكن تريد محو عمر الساعة؛ كانت تريد أن تمنحها مكاناً في الأيام المقبلة.
للتأمل: أي الأشياء القديمة تحتفظ بها بسبب قصتها؟ وكيف يتغير قرارك حين تفرّق بين ما يحتاج إلى إصلاح وما تريد الاحتفاظ به؟